محمد رأفت سعيد
174
تاريخ نزول القرآن الكريم
وأصبحت لهم في نفوس الناس مكانة مهيبة فأظهر بعض الناس الإسلام وأبطنوا غيره . وهذا المعنى ينسجم مع القول بأن الأربع آيات الأخيرة والتي تبدأ بقوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) مدنية . وأما على أنها مكية فيكون هذا تحذيرا مما سيقع فيه بعض الناس من السهو عن الصلاة ومراءاة الناس ومنع الماعون . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ( 4 ) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) يعنى المنافقين الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر « 1 » . ولهذا قال : لِلْمُصَلِّينَ الذين هم من أهل الصلاة ، وقد التزموا بها ثم هم عنها ساهون ، إما عن فعلها بالكلية - كما قال ابن عباس - وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا فيخرجها عن وقتها بالكلية كما قاله مسروق وأبو الضحى . وقال عطاء بن دينار : الحمد لله الذي قال : عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ( 5 ) ولم يقل في صلاتهم ساهون . وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخرة دائما أو غالبا ، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به ، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها ، فاللفظ يشمل ذلك كله ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية ، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمله له النفاق العملي ، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا » فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى كما ثبت به النص إلى آخر وقتها وهو وقت كراهة ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا ، ولهذا قال : لا يذكر الله فيها إلا قليلا ، ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله فهو كما لم يصل بالكلية قال الله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ( 143 ) [ النساء ] وقال الله تعالى هاهنا : الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ ( 6 ) ومما يتعلق بذلك أن من عمل عملا لله سبحانه فاطلع عليه الناس فأعجبه ذلك لا يعدّ رياء . فإن العمل مرتبط بنيته وما دامت لله سبحانه فليست من الرياء « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » . وهؤلاء المراءون يضافون إلى معنى المكذبين بالدين وتضاف إليهم هذه الصفة
--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 554 .